ابن عجيبة

36

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يستند الصوفية في ذكرهم لهذا الإشارات إلى الحديث النبوي الشريف : « لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع » . وتعددت أقوال العلماء في معنى الظاهر والباطن « 1 » وكلها لا تشير إلى أن للقرآن حقيقتين ، إحداهما ظاهرة ، والأخرى باطنة ، بل تعنى أن القرآن له حقيقة واحدة ، ولكن هذه الحقيقة تتنوع وتختلف بالنسبة للناس . فالناس طبقات ؛ منهم الكافر الذي لا يزيده القرآن إلا خسارا ، ومنهم المنافق الذي لا يزداد إلا مرضا ، ومنهم المسلم الذي يواجه القرآن الفهم بسيط ، ومنهم المؤمن الذي يقرأه بفكر دقيق ووعى عميق ، ومنهم المحسن الذي يعبد الله كأنه يراه ، فيقرأ القرآن كأنه يسمعه من ربه . وهناك من يقف عند ظاهر اللفظ ، وهناك من يطلعه الله على ما تضمنه هذا الظاهر من أسرار وإشارات . ولقد كان باطن اللفظ القرآني المخزون في ظاهر اللفظ شيئا معروفا لدى الصحابة ، في زمن الرسول ، صلى اللّه عليه وسلّم ، ومن ذلك : قصة سيدنا عمر بن الخطاب ، مع سيدنا عبد الله بن عباس وجلة الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - في سؤاله لهم تفسير سورة النصر ، وفهم ابن عباس أن ذلك فيه إشارة إلى نعى الرسول - صلى الله عليه وسلم « 2 » . الفرق بين مذهب الباطنية ومذهب الصوفية : فرق كبير جدا بين مذهب السادة الصوفية الراشدين ، في فهم إشارات القرآن ، وبين ما يقول الباطنية ، فالباطنية ومن والاهم يجعلون المراد من النص ليس لفظه الظاهر بمعناه القريب ، ولكنهم يعتقدون أن المراد بالذات من النص إنما هو الإشارة التي ينطوى عليها النص ، وبذلك تأولوا القرآن ، واستخرجوا لأنفسهم أحكاما وعقائد ليست من الإسلام في شئ على الإطلاق . أما ( السادة الصوفية فهم يعتقدون أن النص على ظاهره مرادا به حقيقته الظاهرة ، ولا يحيلون كلام الله تعالى عن وجهه المجمع عليه من الأمة ، ولكنهم يرون أن الله يفتح على بعض خواصه بأسرار ودقائق ، تزيد على المفهوم العام من النص ، ولا تتعارض معه ، بل هي تؤيده ، وتعتبر إضافة من شرائف المعاني التي تزيد من شرف الظاهر ، فهي فتوحات ، لا تبطل شيئا من الأمر والنهى ، ولكنها تضفي عليه زينة وجمالا ) « 3 » . ولنستمع إلى صوت حجة الإسلام الغزالي في هذا الشأن إذ يقول : ( فالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولا ، ليتقى به مواضع الغلط ، ثم بعد ذلك يتسع التفهم والاستنباط . . . ولا يجوز التهاون بحفظ الظاهر أولا ، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر ، ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن يدعى البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب . . ) « 4 » .

--> ( 1 ) انظر في بيان معاني الظاهر والباطن ( تفسير الآلوسي 1 / 7 ، التفسير والمفسرون للدكتور الذهبي 2 / 240 ) ( 2 ) أخرج القصة البخاري في ( التفسير ، سورة وإذا جاء نصر اللّه والفتح ) . ( 3 ) مجلة المسلم عدد ربيع الأول عام 1395 ه . مقال « معالم التفسير الصوفي » للإمام الرائد محمد زكى إبراهيم . ( 4 ) إحياء علوم الدين 1 / 343 .